في ذكرى الإسراء والمعراج

حديث الروح

*مشرفة ساحة الابداع و المنتديات الإسلامية*
إنضم
30 سبتمبر 2011
المشاركات
10,233
مستوى التفاعل
0
النقاط
36
الإقامة
الكويت


كثيراً مايعاني الداعون إلى الله التعب والعنت والمشقة ..
ويقابلون بالجفاء والإعراض ..
بعضهم قد يلحقه الأذى في نفسه وماله وولده ..
حتى تشتد عليهم الأمور .. وتضيق الصدور ..
ويوشك اليأس أن يتسلل إليهم .
فيلجئون ضارعين طالبين المدد من رب السماء ..
بعد أن تتقطع بهم أسباب الأرض..
وعندها يأتي الفرج من كاشف الغم بعد الضيق ..
والمؤيد بالنصر .. بعد الصبر ..
وميسر الأمور .. بعد العسر ..

وفي سطور معاناة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ..
وما لاقاه من جفوة الأرض.. تذكير .. للهداة ..
ولكل من لبسه كرب واعتراه ضيق وهم .. وإخفاق في مهمته
أن يوقن بأن وراء كل محنة فرجاً..
وإن طال المدى ..

فحين أغلقت الأبواب في وجه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في مكة ..
واصطدم بالعقول المتحجرة التي ألفت الباطل ..
وارتطم بحواجز جعلت من المستحيل تغيير ما حوله..
أو دفع الظلم الواقع عليه،
أو رد مكر وكيد الكافرين والفاسقين والفاجرين..
وحين سدت قريش أسماعها وقلوبها عن داعي الحق
وأصرت واستكبرت استكبارا..
وزادت طغياناً وعتوّاً كبيرا ..
وحشدت قواها لمحاربة الدين الجديد ..
والانتقام من الإسلام في شخوص أتباعه المستضعفين ..
فما يطرق سمعهم أن أحداً دخل الإسلام إلا وأنزلوا به أشد العذاب
وصنوف التنكيل والعقاب ..
وذاق شخص النبي الكريم من أذاهم مالم يجر على نبي من قبله..
حينها .. هناك توجه بأنظاره خارج مكة..
يبحث عمن يقف معه ويحميه ..
ليؤدي أمانة الدعوة .. ويرد بطش قريش بالمسلمين ..

وهاهو الرسول الأمين خرج يبحث عن نصير خارج مكة ..
فاتجهت أنظاره إلى ثقيف في الطائف .. فقصدها
لكنه اصطدم هناك بقلوب أشد قسوة..
وعقولٍ أكثر صلابة من الحجارة ..!
فردوا الرسول رداً قبيحاً وألبوا عليه سفهاءهم ..
فما زالوا يرمونه بالحجارة حتى أدموا رأسه وقدميه ..
فلجأ إلى حديقة لعتبة وشيبة ابني ربيعة..
دخلها مبتعدا عنهم وجلس يستريح... ويلتقط أنفاسه
وقلبه الشريف مجروح من صدود رؤوس ثقيف..وطرده ..
محمّل بالحزن والهموم ..من جفاء من في الأرض .
ورآه صاحبا المكان فأرسلا خادمهما عداس وكان نصرانيّاً
بقطف من عنب إليه ـ..لا حباً به .. ولكن لأن الضيافة من شيم العرب..
أتاه عداس بالقطف فقربه إليه.. فمد يده وقال : بسم الله...
تعجب الغلام وقال :
إن هذا كلام غريب عن أهل هذا المكان..
فسأله النبي صلى الله عليه وسلم :
ومن أي البلاد أنت؟
قال : من نينوى ..
قال: بلد العبد الصالح يونس بن متى؟
سأل عداس : وما أدراك بيونس بن متى؟
قال: هو أخي كان نبيا وأنا نبي..
فما أن سمع عداس من الرسول الكريم ذلك.
وعلى ماهو منه من إشراقة الهيئة..
ورصانة الحديث .. حتى أكب يقبل يديه ورجليه ..
ثمّ شهد أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله ..
فكانت بشرى للنبي وتطييبا لخاطره..
وحين رأى سيداه هذا المشهد ..
قال أحدهما للآخر : لقد أفسد علينا الغلام..
فلما رجع إليهما نصحاه بأن لايتأثر ويترك دين آبائه ..
فقال لهما :كلا ..! إنني لم أر على وجه الأرض أفضل من هذا الرجل.

و بلغ الجهد والحزن من النبي الكريم مبلغاً كبيراً ..
وقابلته الأرض بالجفاء.. وعزّ النصير وضاقت به الهموم ،
وأحس أنه لا يملك من أمر نفسه شيئاً ..
رفع يديه إلى السماء داعياً. مبتهلاً ..
دعاء فيه كل مقومات الإيمان واليقين بأن الله تعالى الذي بعثه .. لن يخذله ..
لقد استفذ الرسول الكريم الأسباب .. ولم يجد إلا عدوّاً متربصاً ..
وعقولاً متحجرة .. وقلوباً ران عليها الظلام ..

[اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي ، وَقِلّةَ حِيلَتِي ، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ !
أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي ، إلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي ؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي ؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي ، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي ، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك ،
أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك]

فما كاد أن ينتهي النبي الكريم من دعائه ..
حتى أرسل الله إليه ملك الجبال فسلم عليه ..
ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ،
وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ،
إِنْ شِئْتَ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ،
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا"

كانت هذه الحادثة بشرى من الله تعالى لرسوله الكريم ..
أن السماء لن تتخلى عنه .. وأنه سيرى من آيات ربه الكبرى ..
مايملأ قلبه غبطة .. ويمنحه عزيمة وطاقة متجددة ..
لينطلق بقوة تأييد الرحمن وحفاوته في نشر الدعوة الإسلامية .