
ميّز الله سبحانه وتعالى بني آدم بالعقل ، وبه عرفوه ،
وشهدوا عليه بالعقل الذي عرفوه به من أنفسهم،
بمعرفة ما ينفعهم، ومعرفة ما يضرهم .
وذلك حين أخذ الله تعالى منهم العهد وهم في عالم الذر .
ولذا يميز العاقل عن غيره ببعض الصفات ..
يقول ( ابن القرية ):
الرجال ثلاثة :
عاقل، وأحمق، وفاجر ..
فالعاقل إن كلم أجاب، وإن نطق أصاب، وإن سمع وعى.
والأحمق إن تكلم عجل، وإن تحدث وهل ، وإن حمل على القبيح فعل.
في هذا البحث الميسر نتجول في مدينة العقل
فنتناوله من وجهة نظر العلم .،
ثم نعطف منه على تفسير الإسلام ...
وننظر إليه بمنظار الأدب ..
ولنبدأ بهذه المفاهيم الثلاث :
المخ ... الدماغ ... العقل ...
فنرى أنها ترمز كلها إلى هذا الجزء الذي تحتويه الجمجمة.
فما هو تعريف العلم لكل من هذه الحقائق ؟ ... لنرى :
الدماغ~
هو الجزء الكامل الموجود في الجمجمة والذي نعرفه جميعاً
وهو أهم أجزاء الجهاز العصبي في جسم الإنسان...
يجمع المعلومات ويحللها ويدير ويسيطر على معظم أعضاء الجسم
المخ ~
أحد أجزاء الدماغ .. ويهتم المخ بشكل عام بالوظائف الإدراكية
والحسية والعقلية ووظائف اللغة.
أما العقل فهو ليس جزء مادّياً يلمس في الدماغ ...
وإنما هو الطاقة المفجّرة للأنشطة والوظائف العليا في الدماغ الملموس ..
هو الشخصية.. التفكير .. الجدل .. . والانفعال العاطفي ... و الذاكرة ..!
هو الشيء الذي ميّز الله به الإنسان عن سائر المخلوقات . ..
وكرّمه .. ومنحه حريٰة الإرادة والاختيار .
هو ملكة التفكير والإبداع وهما أعلى مراتب الإبداع العقلي .
وقفة ~ هنالك مثل صيني يقول :
( العقول الكبيرة تناقش في المبادئ )
والآن لنرى التحليل العلمي في هذه المسألة لعالم إسلامي قديم
وهو الكندي ... فماذا يقول الكندي ؟
يقول : منذ خمسين سنة فقط
تأكد لنا أن المخ الذي تحت الجبهة مباشرة الذي في الناصية
هو الجزء المسؤول عن الكذب، والخطأ، وأن العين ترى بها، والأذن تسمع منها،
فهذا المكان (هو مصدر اتخاذ القرار)
فلو قطع هذا الجزء من المخ الذي يقع تحت العظمة مباشرة
فإن صاحبه -في الغالب- لا تكون له إرادة مستقلة..
فكيف يمكن الجمع بين هذا ..وبين قول العلماء..
في أن العقل في القلب ..وهو المتحكم بالإنسان ؟
وهل هناك عقلان أحدهما في القلب والآخر في المخ ؟
وكيف يكون تفسير قوله تعالى:
(فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)
أما العالم الإسلامي أبو بكر الرازي ..
فقد قال في كتابه "الطب الروحاني" معدِّدًا منافع العقل:
"إن الباري - عزَّ اسمه - إنما أعطانا العقل وحبانا به
لننالَ ونبلغ به من المنافع العاجلة والآجلة
غايةَ ما في جوهر مثلِنا نَيْله وبلوغه، وأنه أعظم نِعَم الله عندنا،
وأنفع الأشياء لنا وأَجْدَاها علينا...
فبالعقل فضَّلنا على الحيوان غير الناطق حتى ملكناها وسُسناها،
وذلَّلناها وصرفناها في الوجوه العائدة منافعها علينا وعليها،
وبالعقل أدركنا جميع ما يرفعنا، ويحسن ويطيب به عيشنا،
ونصل به إلى بُغْيَتنا ومرادنا،
فإنا بالعقل نِلْنا صناعة الطب الذي فيه الكثير من مصالح أجسادنا،
وسائر الصناعات العائدة علينا، النافعة لنا،
وبه أدركنا الأمور الغامضة البعيدة المستورة عنا،
وبه عرَفْنا شكل الأرض والفلك، وعظم الشمس، والقمر
وسائر الكواكب وأبعادها وحركاتها،
وبه وصلنا إلى معرفة الباري - عز وجل - الذي هو أعظم ما استدركنا،
وأنفع ما أصبنا
ماقيل عن العقل عند الشعراء :
العقل حلة فجر من تسربلها ...
كانت له نشبا يغني عن النشب
وأفضل العقل ما في الناس كلهم ...
بالعقل ينجو الفتى من حومة العطب
محاربة الكنيسة للعلماء ~
جاءت الأديان السماوية كلها مكرمة للعقل الإنساني ..
وبينت أن العلم والدين لصيقان في النهضة في هذا الكون
لكن أتباع الكنيسة في العصور المظلمة في أوربا ..
حاربوا العلم ، ونكلوا بالعلماء ، مابين إحراق كتبهم .. وإحراق بعضهم،
بتهمة الشعوذة .. وكانوا يعلنون أن ماجاء به العلماء
مخالف لواقع الكتب المقدسة..
وكان الدافع الحقيقي هو الخوف من ضياع سلطتهم ..
ماقيل عن العقل من الحكم :
أعقل الناس أعذرهم للناس
( عمر بن الخطاب )
دليل عقل المرء فعله ، ودليل علمه قوله
العاقل إذا سكت فكر ، وإذا نطق ذكر ، وإذا نظر اعتبر .
( علي بن أبي طالب )
لوكان العقل يشترى لتفانى الناس في ثمنه ،
فالعجب ممن يشتري بماله مايفسده .
( الحسن بن علي )
مواضع العقل ~
جرى العقل على مر الزمان في مواضع عدة، لا توافق بينها ولا تآلف
بل كانت محدثات لشقاق ونزاع،
منها ما رفعه فوق قدره وأعطاه ما ليس له،
ومنها ما وضعه دون قدره ومنعه أشياءه، وهي المحكمة المصادرة،
ومنها ما أقامه في محراب العدل وعلى ميزان الحق.
وذلك حين يطلق له العنان في جو المقبول من وظيفته ،
ويتجاوز به الحدود الوهمية الداعية إلى الحد من وظائفه ،
حينذاك ينتج كثيراً.. مما ينهض بالأمم،
ويتحقق به صدق كينونة الإنسان خليفة عامراً في الأرض.
وقال ابن دريد:
وأفضل قسم الله للمرء عقله .... فليس من الخيرات شيء يقاربه
فزين الفتى في الناس صحة عقله ..وإن كان محظورا عليه مكاسبه
ويزري به في الناس قلة عقله ..... وإن كرمت أعراقه ومناسبه
إذا أكمل الرحمن للمرء عقله .............. فقد كملت أخلاقه ومآربه
مع ابن عثيمين والعقل :
سئل ابن عثيمين :
هل العقل في الدماغ أم في القلب ؟
ومن ضمن إجابته على ذلك قال :
هذه مسألة أشكلت على كثير من النظار
الذين ينظرون إلى الأمور نظرة مادية لا يرجعون فيها إلى قول الله تعالى
وقول رسوله صلى الله عليه وسلم
وإلا فالحقيقة أن الأمر فيها واضح..
أن العقل في القلب وأن القلب في الصدر :
(أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها )
وقال (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور )
ولم يقل القلوب التي في الأدمغة فالأمر فيه واضح جدا
أن العقل يكون في القلب ...
ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:
( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ،
وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )
فما بالك بأمر شهد به كتاب الله والله هو الخالق العالم بكل شيء
وشهدت به سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
إن الواجب علينا إزاء ذلك أن نطرح كل قول يخالف كتاب الله
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن نجعله تحت أقدامنا
إذا القلب هو محل العقل ولا شك ...
ولكن الدماغ محل التصور ثم إذا تصورها وجهزها ...
بعث بها إلى القلب ، ثم القلب يأمر أو ينهى ..
فكأن الدماغ سكرتير يجهز الأشياء ثم يدفعها إلى القلب
ثم القلب يأمر أو ينهى وهذا ليس بغريب { وفي أنفسكم أفلا تبصرون }
تعريف العقل عند العالم الإسلامي الجُوَيني (إمام الحرمين)
قال السبكي في كتابِه طبقات الشافعية الكبرى:
"قال إمام الحرمين في البرهان عند الكلام في تعريف العقل:
العقل غريزة يتأتَّى بها درك العلوم وليست منها،
وقد ارتضى الإمامُ كلامَ الحارث الجويني ، وقال عقيبه:
إنه صفة إذا ثبت بها التوصُّل إلى العلوم النظرية ومقدِّماتها
من الضروريات التي هي مستند النظريات،
وهي منه بناء على أن العقل ليس بعلم..
أما الإمام النَّسَفي فقد قال :
" العقل هو قوَّة للنفس بها تستعدُّ للعلوم والإدراكات،
وهو غريزة يتبعُها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات،
وقيل: هو جوهر تُدرَك به الغائبات والمحسوسات بالمشاهدة"
ويقسِّم النَّسَفي العقل إلى غريزي واستدلالي،
وهو في هذا متأثِّر بالمحاسبي أيضًا، والعقول عنده متفاوتة بحسب الفطرة:
• منها العقل البديهي، كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء،
وهذا العلم لا يحتاج إلى دليل أو تفكير.
• ومنها العقل الاستدلالي: كالعلم بأن الدُّخَان علامة على وجود النار.
• ومنها العقل الاكتسابي، وهو أعمُّ من الاستدلالي،
وهو يقوم على الاختبار بالحواس.
• ومنها يجيء بالإلهام، وهو ما يلقى في القلب مباشرة.
قال الشاعر ~
ولم أر مثل الفقر أوضع للفتى ............ ولم أر مثل المال أرفع للنذل
ولم أر من عدم أضر على الفتى ..إذا عاش بين الناس من عدم العقل
ختاماً ~ نقول أن الحكم الصحيح ينتج من عقل ناضج وفكر رجيح ..
ولا يجوز أن يقيد العقل .. وإنما يجب أن ينطلق في فضاء الفكر والإبداع
لينتج ويساهم في تقدم البشرية ..
مع التوجيه الحسن نحو المسار الصحيح
ذلك المسار الذي اختطه الدين ..
ليكون نتاج العقول المبدعة معمّراً للكون..
مساهماً في رقيه ..
محققاً الغاية من تميّز الإنسان به ..
والتي تبوّءه شرف الخلافة في الأرض ...
ولا نحقق وعد الشيطان بإفساد بني الإنسان ..
ليصبح أداة هدّامة .. يحركها الشر
بدل تحقيق الغاية التي خلق لأجلها .